“أ. بشير قوجة” عضو في الحركة الوطنية السورية
مجلس الأمن القومي في سوريا الجديدة: الأهمية، الأهداف، والتحديات
ما هو الأمن القومي؟
الأمن القومي هو مفهوم شامل يهدف إلى حماية الدولة من التهديدات الداخلية والخارجية، سواء كانت عسكرية، اقتصادية، سيبرانية، أو حتى بيئية.
ويعد الأمن القومي من أولويات أي حكومة، حيث تسعى الدول إلى ضمان استقرارها عبر أدوات مختلفة تشمل القوات المسلحة، الأجهزة الأمنية، الدبلوماسية، السياسات الاقتصادية، والتكنولوجيا.
في العالم الحديث، أصبح الأمن القومي لا يقتصر على الحماية العسكرية فقط، بل يشمل الأمن السيبراني، مكافحة الإرهاب، ضمان أمن الطاقة والغذاء، وحماية الاقتصاد من الأزمات.
تتنوع أساليب إدارة الأمن القومي بين الدول، ففي بعض الدول يتم تشكيل مجالس قومية متخصصة، بينما تعتمد دول أخرى على وزارات الدفاع والداخلية والمؤسسات الأمنية بشكل منفصل.
مجلس الأمن القومي السوري الجديد: التشكيل والأعضاء
أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع قرارًا بتشكيل مجلس الأمن القومي، ليكون الهيئة العليا المسؤولة عن وضع السياسات الأمنية في البلاد ويتكون هذا المجلس من:
1. أحمد الشرع – رئيس الجمهورية (رئيسا للمجلس).
2. أسعد الشيباني – وزير الخارجية، (مسؤول عن العلاقات الدبلوماسية والتعاون الأمني الخارجي).
3. مرهف أبو قصرة – وزير الدفاع، (مسؤول عن إدارة الجيش والاستراتيجية العسكرية).
4. علي كدّه – وزير الداخلية، (مسؤول عن الأمن الداخلي وحفظ النظام العام).
5. أنس خطاب – مدير جهاز الاستخبارات العامة، (مسؤول عن جمع وتحليل المعلومات الاستخباراتية).
6. مقعدين استشاريين – يتم تعيينهما من قبل الرئيس، (وفقًا للخبرة والتخصص).
7. مقعد تقني متخصص – مسؤول عن متابعة الشؤون التقنية والعلمية المتعلقة بالأمن، ويُعيّن أيضًا من قبل الرئيس.
أهداف مجلس الأمن القومي السوري
تم إنشاء المجلس لتحقيق مجموعة من الأهداف الأساسية، من بينها:
1. حماية الأمن الوطني من خلال وضع استراتيجيات لمواجهة التهديدات الداخلية والخارجية، بما في ذلك الإرهاب والتدخلات الأجنبية.
2. تعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية لضمان تكامل العمل بين وزارة الدفاع، وزارة الداخلية، والاستخبارات العامة.
3. وضع سياسات الأمن الخارجي عبر التعاون مع الدول المجاورة والقوى الدولية لحماية المصالح السورية ومنع أي تدخل خارجي.
4. مراقبة الأوضاع في البلاد، خاصةً في ظل التحديات الأمنية في الساحل السوري، حيث وقعت اشتباكات أودت بحياة مئات المدنيين.
5. التعامل مع التهديدات الإسرائيلية في ظل التصعيد الإسرائيلي الأخير، حيث تم تحديد منطقة أمنية بعمق 65 كيلو مترًا داخل سوريا، يمنع فيها أي وجود عسكري سوري.
6. إدارة الأمن السيبراني لمواجهة التهديدات الرقمية والتجسس الإلكتروني.
أهمية مجلس الأمن القومي وتأثيره على البلاد
يعد إنشاء مجلس الأمن القومي خطوة ضرورية في إعادة هيكلة الحكم في سوريا، حيث يساعد في تحقيق استقرار أمني وسياسي، خاصة بعد انهيار النظام السابق والفوضى التي تلت ذلك.
منع تكرار الصراعات الداخلية من خلال ضمان التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية.
تعزيز السيادة الوطنية عبر مواجهة التحديات الخارجية، مثل التدخلات الإسرائيلية والتوترات الإقليمية، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، عبر اعتماد سياسات أمنية شفافة وفعالة.
كما أن إحدى أهم وظائف مجلس الأمن القومي في أي دولة، بما في ذلك سوريا هي التنبؤ بالمشاكل قبل وقوعها ووضع استراتيجيات استباقية للتعامل معها. الأمن القومي الحديث لم يعد يعتمد فقط على رد الفعل بعد وقوع الأزمات، بل أصبح يعتمد بشكل كبير على التحليل الاستراتيجي للمخاطر المحتملة والتخطيط المسبق لمواجهتها.
التحديات التي تواجه مجلس الأمن القومي السوري
رغم الأهداف الطموحة للمجلس، إلا أنه يواجه تحديات كبيرة تهدد بعرقلة مهامه وإضعاف دوره في حماية الأمن الوطني. هذه التحديات يمكن تصنيفها إلى عدة محاور رئيسية:
1. التحديات السياسية والداخلية
الانقسامات بين الفصائل: لا تزال سوريا تعاني من انقسامات داخلية بين الفصائل السياسية والعسكرية، مما قد يعرقل عملية اتخاذ القرارات داخل المجلس. فبعض الجماعات قد ترى المجلس كأداة لتعزيز نفوذ فصيل معين على حساب الآخرين، وهو ما قد يخلق صراعات داخلية بين الأطراف المتنافسة.
عدم وجود تجربة سابقة: تعد هذه أول مرة يتم فيها تشكيل مجلس أمن قومي في سوريا، مما يجعل غياب الخبرة المؤسسية في إدارة مثل هذا المجلس تحديًا إضافيًا، حيث قد يواجه الأعضاء صعوبة في وضع آليات عمل فعالة تحقق أهدافه.
2. التحديات الأمنية والعسكرية
استمرار التهديدات العسكرية: لا تزال مناطق في سوريا تعاني من تهديدات أمنية خطيرة، سواء من بقايا الجماعات الإرهابية أو من جيوب النظام السابق التي قد تحاول زعزعة الاستقرار، كما أن وجود بؤر توتر في الجنوب والشمال السوري يعقد عمل المجلس في فرض سيطرته الأمنية.
الهجمات الإسرائيلية والتدخلات الخارجية: تقوم إسرائيل بتوسيع نفوذها الأمني على الحدود السورية، حيث أعلنت منطقة أمنية بعمق 65 كم داخل الأراضي السورية، تمنع فيها أي وجود للقوات السورية، وهذا يشكل تحديًا خطيرًا للمجلس الذي يسعى لتعزيز السيادة الوطنية، لكنه يواجه عدوًا لديه تفوق عسكري واضح.
إعادة هيكلة القوات الأمنية: الجيش السوري وأجهزة الاستخبارات تحتاج إلى إعادة هيكلة بعد سنوات من الحرب، حيث يعاني بعضها من الفساد وسوء الإدارة، بدون عملية إصلاح شاملة قد لا يكون المجلس قادرًا على ضبط الوضع الأمني بفعالية.
3. التحديات الاقتصادية والاجتماعية
ضعف الموارد المالية: تحتاج اي مؤسسة أمن قومي إلى ميزانية كبيرة لتمويل العمليات الأمنية، والاستخباراتية، وتحديث المعدات العسكرية، لكن الاقتصاد السوري يعاني من أزمة حادة، مما قد يجعل تمويل المجلس غير مستدام على المدى الطويل.
التوترات الطائفية والاجتماعية: شهدت البلاد توترات طائفية شديدة، مثل المجازر الأخيرة في الساحل السوري التي راح ضحيتها أكثر من 1000 شخص من بينهم 400 مدني من الطائفتين العلوية والسنية.
4. التحديات القانونية والدستورية
غياب إطار قانوني واضح: حتى الآن لم يتم توضيح الصلاحيات الدستورية للمجلس بشكل دقيق، مما قد يؤدي إلى تضارب في القرارات مع الحكومة أو البرلمان المستقبلي، كما أن عدم وجود تشريعات واضحة تحكم آلية عمله قد يفتح المجال أمام تداخل الصلاحيات والنزاعات بين المؤسسات المختلفة.
المخاوف من عودة الدولة الأمنية: بعد سنوات من القمع والاستبداد، هناك مخاوف لدى بعض الفئات من أن يكون المجلس مجرد أداة جديدة لتعزيز الحكم الأمني بدلاً من أن يكون وسيلة لحماية الحريات وضمان استقرار ديمقراطي حقيقي.
رغم أن تشكيل مجلس الأمن القومي يمثل خطوة إيجابية نحو بناء سوريا أكثر استقرارًا، إلا أن نجاحه يعتمد على قدرته على التغلب على هذه التحديات عبر بناء مؤسسات قوية، تحقيق توافق داخلي، تعزيز الشفافية، وكسب دعم شعبي واسع.
إذا تمكن المجلس من تجاوز هذه العقبات، فقد يصبح ركيزة أساسية في إعادة بناء الدولة السورية، لكن إذا فشل في إدارتها، فقد يتحول إلى مجرد هيئة رمزية غير فعالة في مواجهة الأزمات المستمرة.