“أ. بشير قوجة” عضو في الحركة الوطنية السورية
شهدت العاصمة دمشق اليوم افتتاح المؤتمر الوطني السوري، الذي يهدف إلى تحديد ملامح المرحلة المقبلة في سوريا بعد التغييرات السياسية الأخيرة وسقوط النظام السابق. يأتي هذا المؤتمر وسط تطلعات كبيرة لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وصياغة دستور جديد، وتشكيل حكومة أكثر تمثيلاً لطموحات السوريين.
لماذا الآن؟
بعد سقوط نظام بشار الأسد، وجدت سوريا نفسها أمام مشهد سياسي معقد، حيث برزت الحاجة إلى إعادة هيكلة السلطة وإصلاح المؤسسات الحكومية التي كانت تحت سيطرة النظام السابق. ولضمان انتقال سلس، تم تشكيل لجنة تحضيرية ضمت شخصيات سياسية بارزة، منها حسن الدغيم، ماهر علوش، وهند قبوات، بهدف وضع أسس قانونية وسياسية للمرحلة المقبلة.
وقد أُعلن عن المؤتمر بعد مشاورات مكثفة شملت أكثر من 4000 شخصية من مختلف المحافظات السورية، حيث جُمعت وجهات نظرهم لتساهم في بلورة التصورات الدستورية والسياسية المستقبلية.
أهداف المؤتمر
يركز المؤتمر على عدة قضايا جوهرية تتعلق بمستقبل سوريا، أبرزها:
1. صياغة إعلان دستوري جديد
يُتوقع أن يحل الإعلان الجديد محل دستور 2012، ليكون بمثابة وثيقة انتقالية تُحدد شكل النظام السياسي والقانوني حتى صياغة دستور دائم.
يُناقش المؤتمر إمكانية التحول إلى نظام برلماني أو رئاسي معدل يحقق توازناً بين السلطات، ويمنع تكرار تجربة الحكم الاستبدادي.
2. تفكيك المؤسسات الأمنية وإعادة هيكلتها
تم حل بعض الفصائل المسلحة مثل هيئة تحرير الشام وغيرها وإعادة دمج المقاتلين ضمن وزارة الدفاع الجديدة.
كما سيتم وضع خطة لإعادة بناء الجيش بطريقة تضمن استقلاليته عن أي توجهات سياسية أو طائفية.
3. حل البرلمان الحالي وتشكيل مجلس استشاري تشريعي
ينص أحد المقترحات على إلغاء مجلس الشعب الحالي وتشكيل مجلس استشاري يقوم بمهمة التشريع مؤقتًا حتى الانتخابات المقبلة.
يُناقش المؤتمر معايير اختيار أعضاء هذا المجلس لضمان تمثيل عادل لكل المكونات السورية.
4. إطلاق عملية انتخابية شاملة
سيتم وضع جدول زمني لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية تضمن مشاركة جميع السوريين في الداخل والخارج.
هناك مطالبات بضرورة إشراف دولي على الانتخابات لضمان نزاهتها، وهو ما يُتوقع أن يكون نقطة خلافية داخل المؤتمر.
أبرز الشخصيات المشاركة في المؤتمر
يضم المؤتمر مزيجًا من الشخصيات السياسية والعسكرية، ومن أبرزهم:
رياض حجاب (رئيس وزراء سابق)
معاذ الخطيب (رئيس الائتلاف الوطني السوري الأسبق)
برهان غليون (معارض أكاديمي)
أحمد الجربا (رئيس سابق للائتلاف الوطني)
هادي البحرة (معارض بارز)
رياض الأسعد (ضابط عسكري منشق)
كما يُشارك في المؤتمر ممثلون عن قوى سياسية وعسكرية من مختلف التيارات، ما يعكس محاولة لتحقيق إجماع وطني.
ردود الفعل حول المؤتمر تفاؤل وحذر
المؤيدون.. فرصة لإعادة البناء
يرى الداعمون للمؤتمر أنه فرصة تاريخية لوضع سوريا على مسار جديد أكثر ديمقراطية واستقرارًا. ويعتبرون أن نجاحه يعتمد على:
وجود إجماع وطني واسع حول مخرجاته.
تطبيق إصلاحات حقيقية تشمل جميع المؤسسات دون استثناء.
التعاون مع القوى الإقليمية والدولية لضمان الدعم اللازم للمرحلة الانتقالية.
بينما يرى البعض انه مؤتمر شكلي دون ضمانات حقيقية
على الجانب الآخر، يشكك البعض في قدرة المؤتمر على إحداث تغيير جذري، متسائلين:
هل ستُنفذ قراراته بشكل فعلي، أم ستظل حبراً على ورق؟
هل هناك ضمانات كافية لمنع ظهور استبداد جديد؟
هل يمكن تجاوز الخلافات العميقة بين القوى السياسية والمسلحة المختلفة؟
التحديات والعقبات أمام المؤتمر
بالرغم من الطموحات الكبيرة، يواجه المؤتمر عدة تحديات قد تعرقل نجاحه، مثل الانقسامات الداخلية فلا تزال هناك خلافات بين القوى السياسية والمسلحة حول شكل النظام الجديد ودور المعارضة المسلحة فيه.
بعض الأطراف، مثل “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا”، رفضت المشاركة في المؤتمر، مما يطرح تساؤلات حول قدرته على تحقيق توافق وطني شامل.
غياب الدعم الدولي الموحد، ايضا لا يزال المجتمع الدولي منقسمًا بشأن الحل في سوريا، حيث تدعم بعض الدول أطرافًا معينة على حساب أخرى.
بينما نجاح أي حكومة مستقبلية يتوقف على اعتراف الدول الكبرى بها ومدى استعدادها لدعم إعادة الإعمار.
بالختام مازال السؤال المطروح: هل يشكل المؤتمر نقطة تحول؟
يُنظر إلى المؤتمر الوطني السوري باعتباره لحظة حاسمة في تاريخ سوريا الحديث، إذا نجح في وضع أسس حقيقية لحل سياسي شامل، فقد يكون بداية جديدة لبلد عانى لسنوات من النزاع والفوضى، لكن إذا فشل في تجاوز الخلافات والانقسامات، فقد يتحول إلى مجرد حدث آخر يُضاف إلى قائمة المحاولات غير الناجحة لإيجاد تسوية للأزمة السورية.
والسؤال الأهم: هل يستطيع السوريون، بمختلف أطيافهم، تجاوز الخلافات وإيجاد صيغة توافقية تضمن مستقبلًا أكثر استقرارًا؟