“أ. بشير قوجة” عضو في الحركة الوطنية السورية
في أول أيام عيد الفطر، كان المشهد في سوريا يحمل تناقضًا صارخًا بين فرح الأمل وحزن الفقد.
ففي قصر الشعب بدمشق أقيمت احتفالية خاصة بأبناء الشهداء الذين قضوا في معركة التحرير الأخيرة، جسّدت التحول الذي شهدته البلاد منذ سقوط نظام الأسد، حيث اجتمع الأطفال الأيتام في قصر بات رمزًا للحرية والانتماء، ولم يعد مقرًا مغلقًا للحاكم وحاشيته.
في المقابل، كان إبراهيم شاهين الطفل الذي لم يتجاوز العاشرة يعيش لحظاته الأخيرة في ريف بانياس، حيث قُتل برصاص مسلحين إلى جانب خمسة آخرين في جريمة هزت وجدان السوريين.
كان إبراهيم الذي اضطر لاستخدام حبل أسود بدلًا من الحزام لإمساك بنطاله رمزًا للفقر والمعاناة التي لا تزال تخنق العديد من أبناء سوريا حتى بعد التحرير.
قصر الشعب.. احتفالية للأيتام ورسالة أمل
في أجواء مفعمة بالمحبة والتكافل، استقبل قصر الشعب في دمشق عشرات الأطفال الأيتام في احتفالية خاصة بمناسبة عيد الفطر، الفعالية التي نظمتها جهات حكومية ومجتمعية جاءت لتؤكد أن سوريا الجديدة لا تنسى أبناء الشهداء الذين دفعوا ثمن التحرير بدمائهم. تضمنت الفعالية عروضًا ترفيهية، ألعابًا، وتوزيع هدايا، وسط أجواء أعادت الأمل لهؤلاء الأطفال، وأكدت أن الدولة الجديدة تحتضنهم وترعى مستقبلهم.
الرئيس أحمد الشرع، الذي حضر جانبًا من الاحتفال، شدد على أهمية بناء سوريا على أسس العدالة الاجتماعية والإنصاف، مشيرًا إلى أن الأطفال الذين فقدوا آباءهم في الحرب هم أمانة في عنق الأمة، ويجب أن ينالوا حقهم في حياة كريمة.
إبراهيم شاهين.. جريمة هزّت القلوب
على بعد مئات الكيلومترات، في ريف بانياس، كان إبراهيم شاهين ضحية جديدة لفوضى السلاح، قتل الطفل إلى جانب خمسة آخرين على يد مسلحين، في حادثة كشفت الوجه القاسي للواقع الأمني في بعض المناطق.
لم تكن صورة إبراهيم بجسده الصغير وحبله الأسود إلا صرخة احتجاج على الظلم والفقر وانعدام الأمان.
انتشرت صورة إبراهيم بسرعة وأصبحت رمزًا للمأساة التي يعيشها الأطفال السوريون في بعض المناطق، حيث لا تزال تداعيات الحرب تلقي بظلالها الثقيلة حتى في يوم كان من المفترض أن يكون عيدًا للفرح.
بين الفرح والحزن.. سوريا تبحث عن مستقبلها
تجسّد الفعاليتان واقعًا متناقضًا تعيشه سوريا اليوم؛ ففي الوقت الذي تسعى فيه الحكومة الجديدة لإعادة بناء البلاد وتعزيز اللحمة الوطنية من خلال احتفالات الأمل، لا تزال هناك مناطق تعاني من آثار الصراعات القديمة، حيث يدفع الأبرياء، مثل إبراهيم شاهين ثمن الفوضى المتبقية.
الفرق بين الحدثين ليس فقط في الموقع بل في الدلالة، فاحتفالية قصر الشعب كانت رسالة واضحة بأن الدولة الجديدة ستحتضن أبناءها وتحميهم، بينما كانت جريمة بانياس تذكيرًا بأن الطريق نحو الاستقرار لم يكتمل بعد، وأن هناك ضرورة ملحة لتوحيد الجهود لضمان أمن جميع السوريين، دون استثناء.
دعوة لمحاسبة الجناة وضمان العدالة للجميع
من هذا المنطلق، يطالب السوريون الجهات الأمنية المختصة بتشديد القبضة على الوضع في الساحل السوري، والبحث عن مرتكبي جريمة مقتل إبراهيم شاهين وتقديمهم للعدالة.
يجب أن تكون هذه الجريمة أولوية، تمامًا كما كان الاهتمام بأيتام الشهداء في قصر الشعب، لأن العدالة لا تعرف التمييز بين الضحايا، وكل طفل سوري يستحق الحماية والرعاية.
كما يجب على أجهزة الأمن الاسراع في كشف المعتدين ومحاسبتهم وذلك لقطع يد الغدر عن اهلنا وأبنائنا في كافة المحافظات السورية وليس فقط عن الساحل.
إن بناء سوريا الجديدة لا يكتمل إلا بضمان عدم تكرار مأساة إبراهيم شاهين، وأن يكون العيد القادم عيدًا حقيقيًا للجميع، دون دموع أو فقدان.