“أ. بشير قوجة” عضو في الحركة الوطنية السورية
تشهد سوريا واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخها الحديث، حيث لا تزال المعارك مشتعلة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة على الحكومة الجديدة بقيادة أحمد الشرع، هذه المحاولة لم تكن مجرد تحرك داخلي بل كانت جزءًا من مخطط دولي مدعوم من إيران وروسيا وإسرائيل، استهدف زعزعة الاستقرار في البلاد وإعادة إنتاج الفوضى.
في حين أن الأمن العام السوري والقوات المسلحة تمكنوا من إحباط الانقلاب في ساعاته الأولى، إلا أن الوضع على الأرض لا يزال معقدًا، حيث تواصل فلول النظام السابق عملياتها الإرهابية في الساحل السوري، مستهدفة المدنيين والأمن العام عبر كمائن واغتيالات واعتداءات على المشافي والقرى.
في الوقت نفسه حاولت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) استغلال الاضطرابات، إلا أن القوات التركية كانت لها بالمرصاد ومنعتها من تحقيق أي تقدم.
الانقلاب محاولة فاشلة لكن المعركة مستمرة
بدأت المحاولة الانقلابية بتنسيق بين عدة أطراف داخلية وخارجية، حيث تحركت فلول النظام السابق بقيادة المجرمين “مقداد فتحية” و”غياث سليمان دلا” في الساحل السوري، مستهدفة قوات الأمن العام عبر سلسلة من الهجمات المتزامنة في اللاذقية وطرطوس وجبلة وبانياس.
على الرغم من أن القوات الحكومية تمكنت من صد الهجمات الأولى، إلا أن الفلول لجأت إلى تكتيكات حرب العصابات عبر نصب الكمائن وقطع الطرق الرئيسية وشن هجمات مباغتة. في الوقت نفسه كان أحمد العودة في درعا يستعد لفتح جبهة جنوبية بالتزامن مع تحرك الفصائل الموالية لإسرائيل في السويداء، إلا أن الضربات الأمنية الاستباقية أفشلت خططهم قبل أن تبدأ.
مع تراجع قدرة فلول النظام السابق على المواجهة المباشرة، لجأت إلى تنفيذ هجمات انتقامية عنيفة ضد المدنيين وقوات الأمن العام، وكان أبرزها:
• نصب الكمائن واستهداف الأرتال الأمنية على الطرق الرئيسية مما أدى إلى مقتل وإصابة العشرات، حيث تم زرع عناصرهم بين الجبال والاشجار الكثيفة وقنص عناصر الأمن العام على طريق اللاذقية – جبلة، وأيضًا في المناطق الريفية بطرطوس.
• استهداف المشافي وتصفية عناصر الأمن العام الجرحى ومنع العلاج عنهم، كما قامت الفلول بتدمير معدات طبية مما أدى إلى كارثة إنسانية في بعض المناطق.
• إحراق القرى والاعتداء على المدنيين في بانياس وجبلة، وارتكاب مجازر ضد السكان السنة والعلويين المعروفين بمواقفهم المعارضة للحكومة السابقة، حيث تم إحراق عشرات المنازل وقتل العائلات بوحشية في محاولة لإثارة فتنة طائفية وإعادة إنتاج العنف الأهلي الذي شهدته المنطقة في السنوات الأولى من الحرب السورية.
لماذا دعمت إيران وروسيا وإسرائيل الانقلاب؟
كان للانقلاب الفاشل أبعاد إقليمية ودولية، حيث دعمت عدة قوى هذه المحاولة لأسباب مختلفة أبرزها:
إيران.. رغم دعمها السابق للنظام السوري فإنها ترى في الحكومة الجديدة خطرًا على نفوذها، خصوصًا مع توجهها نحو تقليل الاعتماد على الميليشيات الإيرانية. لذا، قدمت طهران دعمًا استخباراتيًا ولوجستيًا للفلول لضمان استمرار الاضطرابات.
أما عن روسيا فكانت تسعى لاستخدام الانقلاب كورقة ضغط لإجبار الحكومة السورية الجديدة على تقديم تنازلات لصالح موسكو، خاصة فيما يتعلق بالقواعد العسكرية والتعاون الاقتصادي.
والمعروف عن إسرائيل وأهدافها حاولت ايضا استغلال الوضع عبر تحريك الفصائل الموالية لها في السويداء، أملاً في فتح جبهة جديدة تضغط على دمشق، لكنها فشلت في تحقيق أي اختراق حقيقي.
تحرك قسد وإفشال مخططها عبر التدخل التركي
لم تكن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بعيدة عن المخطط، حيث حاولت التحرك باتجاه مناطق الجيش السوري في الشمال الشرقي، مستغلة انشغال الحكومة السورية بالمعارك في الساحل. إلا أن القوات التركية كانت مستعدة لهذا السيناريو، حيث نفذت عمليات عسكرية أدت إلى إفشال محاولات قسد للتوسع عسكريًا، مما أجبرها على التوقف وإعادة تقييم موقفها.
بسط السيطرة معركة الحسم تقترب
في اليوميين الماضيين نجحت قوات الأمن العام والجيش السوري في استعادة السيطرة على عدة مناطق استراتيجية في الساحل السوري، كما تم القبض على عدد من قادة الفلول وعناصرها، ومع استمرار العمليات العسكرية، يقترب حسم المعركة في الساحل، مما سيوجه ضربة قاصمة لكل القوى التي حاولت إسقاط الحكومة الجديدة.
لكن في الوقت نفسه، لا يزال التحدي الأكبر يتمثل في معالجة آثار الانقلاب وإعادة الاستقرار، خاصة مع وجود جيوب مسلحة لا تزال تتلقى الدعم الخارجي وتحاول تنفيذ هجمات بين الحين والآخر.
الخلاصة
سوريا أمام مرحلة جديدة
إفشال الانقلاب يمثل منعطفًا تاريخيًا في سوريا، حيث تمكنت الحكومة الجديدة من إثبات قدرتها على التصدي لمؤامرات داخلية وخارجية معقدة، ومع استمرار العمليات الأمنية والعسكرية يبدو أن المعركة في الساحل السوري تقترب من نهايتها، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة ستحدد مستقبل البلاد.
رغم التحديات أثبتت هذه الأحداث أن سوريا الجديدة تتشكل بقرار داخلي، وليس وفقًا لإملاءات القوى الخارجية، وهو ما يجعل المرحلة القادمة حاسمة في إعادة بناء الدولة السورية على أسس مختلفة تمامًا عما كانت عليه في السنوات الماضية.