“أ. بشير قوجة” عضو في الحركة الوطنية السورية
تحول استراتيجي في الجنوب السوري
شهد الجنوب السوري تطورات متسارعة خلال الأيام الأخيرة، مع حصول تركيا على موافقة أمريكية لإنشاء قواعد عسكرية مشتركة مع الحكومة السورية الجديدة.
جاء هذا التطور بعد زيارة وزير الخارجية التركي “هاكان فيدان” إلى واشنطن، حيث تمت مناقشة مستقبل سوريا والترتيبات الأمنية الجديدة في المنطقة، وبحسب مصادر دبلوماسية فإن الولايات المتحدة أعطت الضوء الأخضر لهذا التحرك، ضمن إطار تفاهمات إقليمية تهدف إلى إعادة تشكيل الخارطة العسكرية جنوب سوريا.
وتأتي هذه الخطوة بعد دعوة الرئيس “أحمد الشرع” إلى توقيع اتفاق دفاع مشترك مع أنقرة، مما يعكس توجهًا جديدًا نحو تعزيز التعاون العسكري بين الطرفين، في ظل سعي دمشق لتأمين الجنوب السوري واحتواء أي محاولات إسرائيلية لإعادة تشكيل الوضع الأمني هناك.
تخوفات اسرائيلية من القواعد التركية
شهد الجنوب السوري في الفترة الأخيرة تصعيدًا غير مسبوق، مع تزايد الحديث عن تحركات تركية تهدف إلى إنشاء قواعد عسكرية في المنطقة، وهو ما تعتبره إسرائيل تهديدًا استراتيجيًا لأمنها.
وبحسب تقارير إسرائيلية، فإن تل أبيب أرسلت رسائل تحذيرية إلى أنقرة عبر وسطاء دوليين، مؤكدة أنها لن تسمح بأي وجود عسكري تركي في المناطق الحدودية مع الجولان المحتل.
ويشير مراقبون إلى أن إسرائيل تخشى أن تتحول هذه القواعد إلى منصات لدعم الفصائل المسلحة، أو أن تصبح جزءًا من استراتيجية أنقرة الأوسع لتعزيز نفوذها في سوريا، في ظل انسحاب بعض القوى الغربية من الساحة السورية.
استراتيجية إسرائيل في الجنوب السوري
منذ انهيار النظام السابق، سارعت إسرائيل إلى فرض معادلة جديدة على الأرض، حيث توغلت قواتها في عدة مناطق جنوبية، بما في ذلك درعا والقنيطرة، في خرق واضح لاتفاقية فك الاشتباك لعام 1974. وأقدمت إسرائيل على تدمير منشآت عسكرية سورية سابقة، وبناء تحصينات وخنادق دفاعية، لمنع أي وجود عسكري معادٍ لها في المنطقة.
في الساعات الأخيرة، شنت إسرائيل سلسلة غارات جوية على مواقع في درعا ودمشق، مستهدفة الفرقة الأولى في الكسوة، وهي من المواقع العسكرية السورية التي كانت تُستخدم سابقًا كقاعدة أساسية للقوات النظامية.
كما نفذت قوات الاحتلال توغلًا بريًا في ريف درعا الغربي، حيث دخلت آليات عسكرية وجرافات إلى المنطقة، وقامت بتفتيش مواقع عسكرية سورية سابقة، وتزامنت هذه الهجمات مع تحليق مكثف للطائرات الإسرائيلية في أجواء الجنوب السوري، ما يشير إلى أن تل أبيب قد تكون بصدد تنفيذ عمليات جديدة في الفترة المقبلة.
موقف الحكومة السورية من الهجمات الإسرائيلية
على الرغم من استمرار الهجمات الإسرائيلية، فإن الحكومة السورية الجديدة أبدت موقفًا حازما هذه المرة، في بيان رسمي أكدت دمشق أن الاعتداءات الإسرائيلية لن تثنيها عن استكمال جهودها لاستعادة السيطرة الكاملة على أراضيها، مشيرة إلى أن هذه الهجمات تأتي في سياق محاولة تقويض الأمن والاستقرار في سوريا.
وبحسب مصادر سياسية، فإن الحكومة السورية تسعى إلى تعزيز علاقاتها مع الحلفاء الدوليين للحصول على دعم عسكري ولوجستي يساعدها في التصدي للهجمات الإسرائيلية ومنع أي محاولات إسرائيلية لترسيخ وجودها في الجنوب.
ردود الفعل الدولية والسيناريوهات المحتملة
أثارت الهجمات الإسرائيلية ردود فعل دولية متباينة، حيث دعت بعض الدول إلى ضبط النفس، في حين أكدت أخرى على ضرورة احترام سيادة سوريا وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
في المقابل تبقى احتمالات التصعيد قائمة، خصوصًا في ظل إصرار إسرائيل على منع أي تغييرات جيوسياسية في المنطقة قد تهدد تفوقها الاستراتيجي.
ومع استمرار التوتر يظل الجنوب السوري ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، حيث تسعى كل من إسرائيل وتركيا إلى فرض أجنداتها الخاصة، في حين تحاول الحكومة السورية الجديدة إعادة بسط سيطرتها على المنطقة، واستعادة الاستقرار عبر الحوار مع الفصائل المحلية.
هل تتجه المنطقة إلى تصعيد جديد؟
مع منح واشنطن الضوء الأخضر لإنشاء القواعد والدفاعات العسكرية التركية–السورية، هل سيضمن المنطقة الجنوبية لإسرائيل وتعيد تقييم سياستها في الجنوب السوري؟
هل ستكتفي بضربات محدودة، أم أنها قد تتجه إلى تصعيد عسكري شامل لعرقلة تنفيذ هذا الاتفاق؟
يبقى مستقبل الجنوب السوري غامضًا، بين احتمالات استقرار تدريجي عبر التعاون التركي–السوري، أو تصعيد عسكري قد يدفع المنطقة إلى مواجهة إقليمية أوسع.