أ. بشير قوجة عضو الحركة الوطنية السورية
الوضع الاقتصادي السوري، هل هناك أمل؟
منذ اندلاع الحرب في سوريا عام 2011، يشهد الاقتصاد السوري انهياراً متسارعا جعل الحياة اليومية للمواطنين أكثر صعوبة.
التضخم الجامح، انهيار الليرة السورية، انتشار الفساد، وشح الموارد جعلت الواقع الاقتصادي في البلاد قاتماً، وفقاً للتقارير الاقتصادية، فقد وصل الناتج المحلي الإجمالي لسوريا إلى أقل من 20 مليار دولار في 2023 مقارنة بنحو 60 مليار دولار قبل الحرب، مما يعكس حجم الدمار الاقتصادي الذي لحق بالبلاد، لكن في ظل هذه التحديات، يطرح السؤال نفسه: هل هناك أمل في التعافي الاقتصادي؟
هذا المقال يناقش أبرز القضايا الاقتصادية التي يواجهها الشعب السوري وكيفية التعامل معها.
الليرة السورية في مهب الريح
تراجعت قيمة الليرة السورية إلى مستويات غير مسبوقة، حيث وصل سعر الصرف إلى أكثر من 15,000 ليرة سورية مقابل الدولار الأمريكي في 2023، مقارنة بـ 47 ليرة فقط في عام 2010، هذا الانهيار انعكس بشكل مباشر على أسعار السلع الأساسية، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة تزيد عن 300 ضعف خلال السنوات الماضية. القدرة الشرائية للمواطنين تراجعت بشكل كبير، ما دفع البعض إلى تقليص استهلاكهم الأساسي، مثل الغذاء والدواء.
الأسباب الرئيسية لهذا التراجع تتراوح بين العقوبات الاقتصادية الغربية، ضعف الإنتاج المحلي وتحكم فئات معينة بالسوق السوداء.
مع فقدان ثقة الناس بالليرة، بدأ العديد من المواطنين في اللجوء إلى الدولار أو العملات الأخرى كوسيلة لحماية مدخراتهم، في بعض المناطق أصبح شراء السلع الأساسية يستلزم دفع ثمنها بالعملات الأجنبية، ما يزيد من أعباء المواطنين.
الفساد والاستغلال الاقتصادي
يعد الفساد أحد أكبر المعوقات أمام أي محاولة لإنعاش الاقتصاد, وفقا لتقرير منظمة الشفافية الدولية لعام 2022، احتلت سوريا المرتبة 178 من أصل 180 دولة من حيث مؤشر الفساد، ما يعكس حجم المشكلة.
الفساد في المؤسسات الحكومية والخاصة يؤدي إلى استغلال موارد الدولة لمصلحة قلة على حساب الأغلبية، كما أن الاحتكار والتهريب يفاقمان الأوضاع، مما يزيد من الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
الفساد في العقود الأخيرة جعل من المستحيل تقريبا تحسين مستوى معيشة المواطنين، ويشمل الفساد قطاعات مثل الكهرباء، والموارد الطبيعية، والتجارة الداخلية والخارجية.
بالنسبة للعديد من السوريين، أصبحت المحسوبية والمحاباة وسيلة للبقاء على قيد الحياة في سوق مليء بالمخاطر. مكافحة الفساد تتطلب إصلاحات هيكلية شاملة، بما في ذلك إنشاء مؤسسات مستقلة لمكافحة الفساد وتعزيز الشفافية في التعاملات الحكومية.
العقوبات وتأثيرها على الاقتصاد
العقوبات المفروضة على النظام السوري السابق من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي جعلت التعاملات المالية والتجارية مع العالم الخارجي شبه مستحيلة، وفقا لتقديرات البنك الدولي، تسببت العقوبات في خسائر تقدر بنحو 1.5 مليار دولار سنويا في الإيرادات السورية.
قطاع النفط، الذي كان أحد أعمدة الاقتصاد السوري، تعرض لأضرار جسيمة بعد فقدان الحكومة السيطرة على العديد من الحقول، بالإضافة إلى منع تصدير النفط إلى الأسواق الدولية.
كما أن العقوبات قد أضرت بقدرة النظام على تمويل احتياجاته من خلال القروض الدولية، وأدى ذلك إلى تضاؤل الاحتياطيات النقدية. ورغم بعض التحركات لتخفيف حدة العقوبات على قطاعات معينة مثل المواد الغذائية والإنسانية، فإن العقوبات تبقى عائقا كبيرا أمام أي انتعاش اقتصادي.
القطاعات الإنتاجية الزراعة والصناعة تحت الضغط
تضررت القطاعات الإنتاجية بشكل كبير بسبب الحرب، حيث انخفض الإنتاج الزراعي والصناعي نتيجة الدمار الذي لحق بالبنية التحتية ونقص الموارد الأساسية مثل الكهرباء والوقود.
سوريا كانت في السابق من الدول المصدرة للنفط والقمح والخضروات، لكنها الآن تشهد تراجعا كبيرا في هذه المجالات، ما جعلها تعتمد بشكل أكبر على الاستيراد.
الإنتاج الزراعي انخفض بنسبة 70% خلال السنوات الماضية، وتدهور القطاع الصناعي بنسبة 50% في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السابقة نتيجة ايقاف بعض المعامل ونقل بعضها الى دول الجوار مثل تركيا والأردن.
ومع أن هناك محاولات لإنعاش هذه القطاعات، مثل عودة بعض المنشآت الصناعية للعمل جزئيا، إلا أن ضعف الاستثمارات المحلية والخارجية يحد من فاعلية هذه الجهود، كما أن تداعيات الحرب على الإنسان السوري قد أدت إلى تراجع كبير في قوة العمل والمهارات المطلوبة لتطوير هذه القطاعات.
أحد الحلول التي يقترحها الخبراء هو تحسين بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات من خلال تحسين الأوضاع الأمنية وتقديم حوافز للاستثمارات الأجنبية.
هل هناك أمل في التعافي؟
رغم الصورة القديمة القاتمة وبعد سقوط نظام الأسد، فإن بعض التحركات قد تفتح أبواب الأمل، محاولات تعزيز الإنتاج المحلي، التحالفات الاقتصادية مع بعض الدول مثل تركيا وقطر والسعودية، وتخفيف القيود الاقتصادية قد تسهم في تحقيق تحسن ملحوظ. التحالفات مع الدول المجاورة قد تتيح فرصة لسوريا لتأمين احتياجاتها الأساسية، كما أن الانفتاح على الأسواق الآسيوية قد يكون له تأثير إيجابي على إعادة بناء الاقتصاد.
إلا أن أي تعافٍ حقيقي يستلزم إصلاحات هيكلية عميقة تشمل تطوير القطاع العام، تقليص حجم القطاع غير الرسمي، وتفعيل السياسات الضريبية بما يتوافق مع الوضع الجاري.
وفقا للبنك الدولي، تتطلب سوريا استثمارات ضخمة تتجاوز الـ 200 مليار دولار لإعادة بناء البنية التحتية فقط. كما أن مكافحة الفساد يجب أن تكون على رأس أولويات أي حكومة تسعى لتحسين الوضع الاقتصادي، ومن المهم أن يواكب هذا الإصلاحات السياسية التي تعيد بناء الثقة بين الشعب والحكومة وتوقف العزلة الاقتصادية.
بالختام، الاقتصاد السوري يواجه تحديات غير مسبوقة، والتعافي لن يكون سهلا أو سريعًا، لكن في حال اتخاذ خطوات جدية نحو الإصلاح الاقتصادي والسياسي، قد يكون هناك أمل في مستقبل أكثر استقرارا.
هنا يبقى السؤال: هل يمتلك النظام السوري الجديد الإرادة الحقيقية للقيام بهذه الإصلاحات؟ وإذا كانت الإرادة موجودة، فهل سيتمكن من كسر الحواجز التي تعترض طريقه؟