[ مقال مهم لفهم كنه العدالة الانتقالية للقاضي المستشار محمد نور حميدي رئيس التفتيش القضائي العسكري]
منذ بدء الثورة عام 2011ومع مرور الزمن تحولت هذه الثورة من ثورة شعب يسعى إلى التحرر من أجهزة القمع والتسلط التي استحكمت به من قبل الأجهزة الأمنية على مدار خمسون عاماً إلى صراع محلي وإقليميي ودولي أدى إلى تفتيت البنية التحتية والاجتماعية وتشريد الملايين واعتقال مئات الألاف واستشهاد مئات الألاف في سجون النظام وبقصف الطائرات وفي المأساة و الفوضى للانتقال من حكم استبدادي شمولي إلى نظام ديمقراطي تعددي يقوم على مبدأ تداول السلطة وحكم القانون وهذا الأمر يتطلب إجراء انتخابات نزيهة ودستور جديد واطلاق مسار العدالة الانتقالية لمحاسبة المتورطين بجرائم الحرب وانتهاك حقوق الانسان وذلك وفق أليات محددة ومحاسبة الجناة وتعويض ضحايا الحرب وإنهاء دوامة العنف تمهيداً لإجراء مصالحة وطنية شاملة .
ـ تعريف العدالة الانتقالية:
يمكن تعريف العدالة الانتقالية انطلاقاً لما ورد بتقرير الأمين العام للأمم المتحدة عام 2004 المقدم إلى مجلس الأمن باعتبارها تشمل كامل نطاق العمليات والأليات المرتبطة بالمحاولات لنفهم تركيبة من تجاوزات الماضية واسعة النطاق بغيت مسألة قانونية وإقامة العدالة وتحقيق المصالحة إذاً العدالة هي الاستقامة والمساوات أمام القانون والانتقالية تعني نقل المجتمع من نمط معين إلى نمط أخر ذلك وفق أليات محددة وهذه الأليات قد تكون قضائية وغير قضائية على حد سواء مع تفاوت مستويات المشاركة الدولية أوعدم وجودها مطلقاً ومحاكمة الأفراد والتعويضات وتقصي الحقائق والإصلاح الدستوري ونحصر السجل الشخصي للكشف عن التجاوزات .
ـ العدالة الانتقالية: ليست نوع من العدالة بل هي نوع يتم من خلاله تحقيق المحاسبة والتعويض للضحايا في فترات النزاع أو قمع الدولة تعتبر اعترافاً بحقوق الضحايا وتشجيع على الثقة المدنية وتقوي سيادة القانون والديمقراطية.
إذاً العدالة مجموعة من التدابير القضائية وغير القضائية التي قامت الدول المختلفة لتطبيقها من أجل معالجة ما ورثته الأزمات والحروب وقمع الدولة من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وتتضمن هذه التدابير والملاحقات القضائية ولجان الحقيقة وبرامج جبر الضرر واشكال متنوعة لإصلاح المؤسسات ففي التجربة التونسية وبعد نجاح الثورة قامت هيئة الحقيقة والكرامة بتقديم لائحة بأسماء مسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان وأسماء الضحايا وتتعاطا الحكومة التونسية إجابياً مع تلك الانتهاكات وحولت المجرمين إلى المحاكم وصدرت أحكام بحق الجنات وتم الحكم بتعويضات للمتضررين وعوائل الشهداء والجرحة والمصابين فتطبيق العدالة الانتقالية في سوريا هي المدخل الأساسي للمصالحة الوطنية وبناء النظام الديمقراطي المنشودة بوصفه هدفاً .
ـ أهداف العدالة الانتقالية:
1ـ كشف الحقيقة والانتهاكات والجرائم التي وقعت.
2ـ الاعتراف بالأخطاء التي ارتكبت.
3ـ تحديد المسؤول عن هذه الجرائم وإجراء المسائلة حول الانتهاكات والتجاوزات التي حصلت بالماضي.
4ـ تحقيق المصالحة ضمان عدم تكرار وقوع مثل هذه الانتهاكات من خلال اصلاح المؤسسات كافة.
5ـ استعادة الثقة بمؤسسات الدولة.
6ـ تقييم التعويضات بالضحايا.
7ـ تقرير مبدأ سيادة القانون.
ـ بداية العدالة الانتقالية:
بدأت الخطوات الأولية لمفهوم العدالة الانتقالية عام 1975 على خلفية الأحداث التي وقعت في تشيلي حيث اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بوجود ممارسات منظمة من التعذيب وسوء المعاملة والاحتجاز التعسفي حيث شكل أول فريق من خبراء دوليين لبحث هذا الوضع واعداد تقرير بخصوص ذلك حيث أصدر رئيس تشيلي مرسوم عفواً عن المساهمين بارتكاب هذه الجرائم إلا أن اللجنة الأمريكية لحقوق الإنسان اعتبرت أن هذا العفو يتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان وكانت البداية للبحث هذا المفهوم على مستوى الدولي وحتى قيام الربيع العربي كان هنالك أربعون تجربه فيما يتعلق بالعدالة الانتقالية وتم إنشاء خمسة وعشرون هيئة متخصصة لهذا النوع حيث تتصدى هذه الهيئات .
1ـ جريمة الاختفاء القصري.
2ـ جريمة التعذيب وسوء المعاملة.
3ـ المس بالحق في الحياة نتيجة الاستعمال المفرط وغير المناسب للقوة.
4ـ مبادئ مكافحة الإفلات من العقاب.
ـ أليات العدالة الانتقالية:
لجني الحقيقة وهي الألية الأساسية للعدالة الانتقالية وسنتحدث عن أهدافها وطبيعة هذا الجان.
اـ هيئات وطنية تحدث في قانون نطاق الصلاحيات القانونية لرئيس الدولة أو الحكومة أو البرلمان أو في نطاق سلام داخلي أو عن طريق الأمم المتحدة.
ب ـ هيئات غير قضائية وغير برلمانية.
ج ـ هيئات تلعب دور الوسيط بين الدولة والمجتمع.
ـ مرجعية هذه الهيئات:
تستند هذه الهيئات إلى مرجعيات متعددة القاسم المشترك بينهما مبادئ حقوق الإنسان وحكم القانون وقيم الديمقراطية ونتجلا من خلال:
1ـ القانون الدولي لحقوق الإنساني.
2ـ القانون الدولي لحقوق الإنسان.
3ـ قرارات وأحكام المحاكم الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان .
4ـ خلاصات الأراء والاجتهادات الفقهية لكبار الخبراء والمختصين .
5ـ الخلاصات والنتائج المتواترة لأعمال لجان الحقيقة .
6ـ المقتضيات القانونية غير المتعارضة مع قانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني .
ـ اختصاص اللجان :
1ـ الاختصاص الزمني وهي الفترة الزمنية التي تعطى إلى لجان التحقيق الاختصاص الزمني الوظيفي أي الفترة التي ستستمر اللجان بها في عملها وحددت بين عام وعامين .
ـ أهداف اللجان :
1ـ إعادة الاعتبار إلى الكرامة الإنسانية المتأصلة في الإنسان .
2ـ إعادة صفة المواطنة للفرد .
3ـ التحري والكشف عن حقيقة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والأضرار العمومي بها .
4ـ جبر الفردي والجماعي .
ـ الهدف من إنشاء اللجان :
1ـ تساعد على أسباب الحقيقة بشأن الماضي .
2ـ محاسبة مرتكبي الجرائم وحقوق الإنسان .
3ـ توفير منبر عام للضحايا .
4ـ تحفيز على التعايش اللجان .
5ـ توصي بالتعويضات للضحايا.
6ـ توصي بالإصلاحات القانونية والمؤسسة للأزمة .
7ـ توفير المصالحة الاجتماعية .
ـ أساس عمل اللجان :
1ـ الكشف عن الحقيقة .
2ـ جبر الضرر .
ـ أشكال جبر الضرر:
1ـ استرداد وارجاع الحقوق والحريات والوضع الاجتماعي والأسروي والجنسية والعودة إلى مكان العمل والإقامة وإعادة الممتلكات .
2ـ التعويض ويشمل :
1ـ الضرر البدني .
2 – ضياع الفرص كالتعليم مثلاً
3– الاضرار المادية والخسائر.
4 – الضرر بالسمعة والكرامة .
5ـ تكاليف المساعدة القانونية :
1ـحيث يتم تلقي الإفادات أمام الرأي العام من الضحايا والشهود عن الانتهاكات التي اثرت على الضحية والمجتمع لمعرفة مدى مسؤولية الدولة والافراد عن تلك الانتهاكات التي وقعت .
وفي الحالة السورية لابد من وجود إدارة سياسية للفاعلين الدوليين بفرض حل سياسي يمكن وضع أليات لتحقيق المصالحة الوطنية ويمكن الاستفادة من التجارب السابقة بذلك من خلال وقف الحرب وتشكيل لجان متخصصة لإصلاح المؤسسات القانونية والدستورية لترسيخ الأمن والأمان لأن القضاء يشكل الدعامة الأساسية التي يمكن أن تقوي الديمقراطية من خلال الاعتماد على القضاة والمحامين ومن غير ذوي الشأن القضائي ويكون ذلك من خلال إعطاء الحق للمتهم بالاستعانة بمحامي .
2ـ ضرورة وجود ممثل للنيابة في أقسام الشرطة وتحديد العلاقة بينهما.
3ـ احترام مبدأ سيادة القانون انطلاقاً من مبدأ المتهم بريء حتى تثبت إدانته .
4ـ إنشاء محاكم خاصة لمجرمي الحرب .
5ـ إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية التي كانت لها دوراً سلبياً لارتكابها أبشع جرائم بتاريخ الإنسانية وتسريح ومحاسبة كل المسؤولين عن تلك الجرائم .
6ـ السماح للمنظمات الدولية المختصة بشؤون حقوق الإنسان ومنظمات العفو الدولية لزيارة مراكز الأمن والشرطة لتحقيق من مدى الالتزام لمعايير الدولية .
7ـ حل المؤسسات الأمنية وتشكيل قوى أمنية حريصة على تطبيق القانون .
8ـ إصلاح دور التوقيف والسجون مادياً من خلال إعادة النظر بالوضع العمراني للمباني .
9ـ إصلاح الوضع الصحي من خلال الاهتمام بالنظافة والغذاء .
10ـ تأهيل العناصر والعاملين ليصبحوا خبيرين لشؤون السجون .
وأخيراً : إن العدالة الانتقالية هي مدخل إلى المصالحة الوطنية وبناء نظام ديمقراطي والاعتراف بحقوق الضحايا وتعويضهم مادياً ومعنوياً من أجل سيادة القانون وهي الخطوة الأولية حول بناء الدولة الحديثة وليس من الضروري أن يتحقق دفعة واحدة بل على دفعات وقد يستغرق وقتاُ وإن المؤسسات القضائية ولجان الحقيقة والمصالحة سيكون لها دوراً فاعلاً في ترسيخ مبدأ العدالة الانتقالية