*السويداء تحت المجهر.. بين الخصوصية المحلية وحسابات الدولة*
تُعدّ محافظة السويداء واحدة من أكثر المناطق السورية حساسية وتعقيدا في المرحلة الراهنة، ليس فقط بسبب خصوصيتها الاجتماعية والتاريخية، بل أيضا لموقعها ضمن معادلة الدولة السورية الجديدة التي تسعى لإعادة بناء مؤسساتها وترسيخ مفهوم السيادة، دون الاصطدام مع النسيج المحلي أو تجاهل خصوصياته المتجذّرة.
تمتلك السويداء تركيبة اجتماعية متماسكة تقوم على روابط أهلية وعائلية عميقة، وموروث تاريخي قائم على حماية الأرض والدفاع الذاتي.
هذه الخصوصية التي جنّبت المحافظة في مراحل سابقة الانزلاق إلى مواجهات واسعة، لا يمكن التعامل معها بعقلية مركزية جامدة، بل تحتاج إلى فهم سياسي وأمني عميق لطبيعة المجتمع المحلي وآليات تأثيره، ودور المرجعيات الاجتماعية والدينية فيه.
لقد أثبتت التجربة أن أي محاولة لفرض حلول قسرية من الخارج دون إشراك الفاعلين المحليين تُنتج توترا بدل الاستقرار، وتفتح المجال أمام الفوضى أو التدخلات غير المرغوبة.
في المقابل لا يمكن للدولة السورية أن تبقى في موقع المتفرج، فحسابات الدولة اليوم تقوم على استعادة هيبتها وضبط السلاح المنفلت وتأمين الطرق وحماية المواطنين، دون استثناء أو تمييز.
التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تحقيق هذه الأهداف دون كسر التوازن المحلي، أو خلق حالة صدام مع مجتمع يرى في خصوصيته ضمانة لوجوده وأمنه.
الدولة مطالبة بتقديم نموذج جديد في التعامل مع السويداء، نموذج يقوم على الشراكة لا الوصاية، وعلى القانون لا القوة المجردة، وعلى الثقة المتبادلة لا الشك المتراكم.
*السلاح خارج إطار الدولة*
من أبرز الملفات الشائكة في السويداء مسألة السلاح المنتشر خارج إطار المؤسسات الرسمية، ورغم أن جزءا من هذا السلاح ارتبط تاريخيا بفكرة الحماية الذاتية إلا أن استمراره دون تنظيم يفتح الباب أمام الفوضى، ويُضعف قدرة الدولة على فرض النظام.
الحل هنا لا يكون بالمواجهة، بل بخطة تدريجية تبدأ بالحوار وتقديم ضمانات حقيقية ودمج القوى المحلية الراغبة ضمن أطر قانونية واضحة تضمن كرامة الجميع وتحفظ الأمن العام.
لا يمكن عزل ما يجري في السويداء عن السياق الإقليمي الأوسع، فكل منطقة رمادية أو رخوة أمنيا تصبح هدفا لمحاولات الاختراق والاستثمار السياسي.
من هنا.. فإن الحفاظ على استقرار السويداء ليس شأنا محليا فقط، بل جزء من معركة السيادة الوطنية ومنع تحويل الجنوب السوري إلى ساحة رسائل متبادلة بين أطراف خارجية.
*نحو مقاربة وطنية متوازنة*
السويداء اليوم أمام مفترق طرق إما أن تُدار بعقل الدولة الشريكة لمواطنيها، أو أن تُترك رهينة حلول مؤقتة تُراكم الأزمات.
المطلوب مقاربة وطنية متوازنة تعترف بالخصوصية المحلية دون أن تحوّلها إلى كيان منفصل، وتُعلي من شأن الدولة دون أن تجعلها خصما لمجتمعها.
الاستقرار الحقيقي لا يُفرض بل يُبنى، والرهان في السويداء يجب أن يكون على الحكمة والشراكة وبناء الثقة، باعتبارها الطريق الأقصر نحو الأمن ووحدة القرار واستعادة الدولة لدورها الطبيعي كحاضنة لكل السوريين.
