في اللحظة التي يُفترض أن تدخل فيها البلاد طور الاستقرار بعد التحول السياسي، يخرج الاقتصاد ليطرح السؤال الأصعب هل تملك الدولة أدوات إدارة السوق فعلاً؟
قبل أسبوع من اليوم صرّح معاون وزير الاقتصاد ماهر الحسن بأن الأسعار انخفضت بنسبة 20%، وكأنه مغيب عن الحقيقة تماما، تصريح بدا مطمئناً على الورق، لكنه في السوق بدا منفصلاً عن الواقع، فالمواطن الذي يتنقل بين المحال لا يرى انخفاضاً، بل يرى موجات ارتفاع متتالية وتبدلات يومية في الأسعار وتفاوتاً كبيراً بين منطقة وأخرى.
المواد الأساسية لا تعكس أي تراجع ملموس، بل إن بعضها يسجل زيادات شبه أسبوعية.
حين يُعلن رقم محدد كهذا – 20% – فإنّه لا يُفهم كتقدير تقني، بل كوعد ضمني، وحين لا يلمس المواطن هذا الوعد في حياته اليومية تتحول المسألة من اختلاف أرقام إلى فجوة ثقة.
الأمر لم يتوقف هنا.. بعد أيام ظهر وزير الاقتصاد نضال الشعار ووجّه رسالة إلى التجار دعاهم فيها إلى تحكيم الضمير والوجدان وعدم استغلال الظرف.
لكن السوق لا يعمل بمنطق الوجدان، بل بمنطق الربح والكلفة والرقابة.
وحين تتحول المناشدة الأخلاقية إلى أداة ضبط أساسية، تبرز عدة أسئلة مشروعة..
أين الأدوات القانونية؟ أين التشدد الرقابي؟ أين السياسات الواضحة التي تضبط الاحتكار وتمنع التلاعب؟
الدولة التي استطاعت فرض معادلات أمنية معقدة، تبدو مترددة في فرض معادلات سوقية عادلة.
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي للمرحلة الجديدة.
بعد عام وثلاث أشهر تقريباً على التحول السياسي، يمكن القول إن الدولة نجحت في منع الانهيار الأمني الشامل، وأعادت مركزية القرار بشكل ملحوظ، لكن التحدي انتقل من الميدان إلى المعيشة، فالاقتصاد اليوم ليس ملفاً خدمياً بل ملف شرعية.
المواطن لا يقيس نجاح المرحلة بعدد التصريحات المغيبة عن الواقع أو اللقاءات السياسية، بل بقدرته على إنهاء الشهر دون استدانة.
التضخم غير المنضبط وتذبذب سعر الصرف وضعف الإنتاج المحلي وغياب آليات تسعير واضحة، كلها عوامل تجعل السوق مساحة قلق يومي.
الأخطر من ذلك أن الاستياء الشعبي ليس صاخباً، بل صامت ومتراكم، الناس تدرك أن إعادة بناء اقتصاد منهك ليست مهمة سهلة، لكنّها في المقابل تريد وضوحاً لا تطميناً، وإجراءات لا مناشدات.
المشكلة اليوم ليست فقط في ارتفاع الأسعار، بل في التباين بين الخطاب والواقع، وحين تتسع هذه الفجوة تتآكل الثقة تدريجياً.
الشرعية السياسية لا تُبنى فقط عبر تثبيت الأمن، تبنى عبر تثبيت التوقعات الاقتصادية.
السوق يحتاج إلى سياسات واضحة، رقابة فعالة، وقرارات جريئة، أما ترك المسألة لمعادلة “ضمير التاجر” فهو نقل عبء الضبط من الدولة إلى الأخلاق الفردية، وهي معادلة لا تصمد طويلاً في اقتصاد مضطرب.
المفاد من ذلك.. الاقتصاد اليوم يختبر المرحلة الجديدة أكثر مما تختبرها السياسة، فإذا كانت الدولة قد نجحت في تثبيت الاستقرار الأمني، فإن التحدي الأكبر هو تحويل هذا الاستقرار إلى عدالة معيشية ملموسة.
لأن الحقيقة البسيطة التي يعرفها الجميع هي أن الدول تُحترم بقراراتها… لكنها تُقاس بثقة مواطنيها.
